Spring naar de hoofdcontent
language

GESCHREVEN DOOR

Portrait of Mazen Maarouf

Mazen Maarouf (AE)

VERTAALD DOOR

Portrait of Arjwan al Fayle

Arjwan al Fayle (NL)

Mazen blog 5

18 November 2019

حين عدت من هيغ، كنت مفتوناً بالمترجمين الشبان والشابات الذين التقيتهم. فقررت أن أسجل في صف اللغة الآيسلندية التي حاولت تعلمها مرة وحيدة عام 2012. كنت قد وصلت آيسلندا قبل أشهر، مستعداً لنسيان بيروت وكل ما عشته فيها. إلا أن أستاذ اللغة الآيسلندية، وفي أول حصة قال لي "من الآن فصاعداً سيكون اسمك مَوني". فأصبت بالذعر. وبسبب تلك التسمية لم أعد إلى الآيسلندية مرة أخرى. قال لي الأستاذ يومها أن ماوني تعني قمراً، لكنه لاحظ ارتباكي، قائلاً بمزاح "وجهك اصفر وكأنك ارتكبت جريمة للتو". لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها بموني. كنت أعرف الكلمة قبل أن أصل إلى آيسلندا. طبعاً لم تكن باللهجة اللبنانية تعني قمراً، وإنما من مَونِة - يمون، وحين تقول لأحد "تمون"، فهذا يعني أنك لا تستطيع أن ترفض طلب له. هكذا كان اسم ناطور بنايتنا، بالأحرى لقبه، "مَوني". قبل أن يتلاشى أثره. لا أتذكر اسمه الحقيقي. كان ليبياً، وقاتل مع منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت. وبعد رحيل المنظمة لم يسمح له بالرحيل مع المقاتلين بعد خروجهم من بيروت عام 1982، كونه غير فلسطيني. فبقي في بيروت.

كانت عائلتنا في تلك المرحلة مؤلفة من ثلاثة أولاد وأب وأم. كنت كبير أخوتي. لكن الكثير من الأشياء لم أكن أفهمها. مثلاً لماذ أمي لا تعمل؟ ولماذا أبي وأمي في الويك إند يتشاجران؟ ولماذا مَوني يخدم جميع من في البناية بقلب وصمت كبيرين وبدون مقابل؟ قيل في البناية إنه يفعل ذلك مخافة أن يتذمر منه أحد فيُرحَّل إلى بلاده. وإنه جاء إلى بيروت كون لديه مشاكل سياسية في بلاده وليس ايماناً منه بقضية فلسطين وإن لديه زوجة وأولاد وهو بانتظار أن يلتئم شملهم. أبي كان يشتغل في مستشفى. بوردية ليلية فقط. أمي كانت تقول إنه يختار ورديات الليل عن عمد تجنباً للاختلاط بنا. لكن أبي كان يظل نائماً خلال النهار، وبعد أن نعود إلى البيت من المدرسة يكون قد حان وقت ذهابه إلى المستشفى لبدء ورديته التي تستمر من الخامسة مساء حتى الخامسة صباحاً. كانت المدارس الآن تعمل ساعات إضافية، لكي تعوض توقفها خلال الحرب وتأخرها في المنهج. وحين يعود أبي من المستشفى صباحاً، نكون أنا وأخويَّ نتحضر للذهاب إلى المدرسة. موني إضافة إلى مهامه في رمي الزبالة ومسح طوابق البناية السبعة، كان ينظف البيوت بيتاً بيتاً مرة في الأسبوع مقابل أجر إضافي بسيط، أقرب إلى بقشيش. الجميع أمنه على بيته لأنه صامت أغلب الوقت وشديد التهذيب. ولا أتذكر أننا سمعناه مرة يتذمر.

كانت عطلة أبي مثلنا، يومي السبت والأحد. لكنه كان يقضي اليومين غالباً في الشجار مع أمي، ذلك أن أبي بسبب وردياته الليلية لم يكن لديه أصدقاء سوى زملائه في المستشفى الذين كانوا مثله ينامون في خلال النهار فلم يكونوا يلتقون خارج المستشفى. لكن رغم شجاراتهما المتواصلة، فإن أبي وأمي أرادا إصلاح علاقتهما. وكانت أمي هي من اقترح أن يأخذنا للنزهة يوم السبت. فينام فقط لبضع ساعات في الصباح، بعد عودته من المستشفى ثم تفيقه أمي قائلة له "الأولاد ارتدوا ثيابهم وهم ينتظرونك"، بعد أن تكون اتفقت معنا على فعل ذلك كوسيلة للضغط عليه. فيفتح أبي عينيه ببطء وينهض متثاقلاً. كنا دائماً نذهب إلى نفس المكان. الكورنيش الذي كان ممتلئاً بالحفر التي خلفتها القذائف. وإضافة إلى سكان بيروت الذين كانت تلك أول مرة منذ خمسة عشر عاماً تسنح لهم الفرصة للتفرج على البحر باطمئنان، كان الكورنيش ممتلئاً ببائعي الألعاب والفول وغزل البنات والفستق السوداني التي أثارت لعابنا طوال الوقت. غير أن أبي لم ينتبه إلى أي من هذا، بل لم يكن يفعل أي شيء إلا معاينة المارة، كباراً وصغاراً. يحدق فيهم، ويعاينهم محاولاً معرفة ما يعانونه من أمراض بالنظر إلى بياض أعينهم أو لون بشرتهم، أو أيديهم أو مدى صحة شعرهم أو طريقة مشيهم أو أصابعهم. هذا لأن أبي كان يريد أن يصير طبيباً. وأحياناً كان يخالف الأطباء في تشخيصهم أو وجهة نظرهم حول بعض الحالات في المستشفى، حتى أنه تجرأ في بعض المرات على تغيير تشخيص الطبيب أو تقريره فوجهت له إنذارات وطرد من مستشفَيَين. لكن الجيران في البناية سموه بأية حال الدكتور. في الأخير بدأنا نشعر بالإحراج حين نكون ماشين معه. وأبي نفسه شعر باحراجنا منه، فقرر أن يقعد على بنك على الكورنيش وأن نلعب قريباً منه. يقول لي "أنت الكبير، انتبه إلى أخويك. تفرجوا على الصيادين من فوق الكورنيش، لا تنزلوا وتقفوا على الصخور". فيما يجلس واضعاً يده على خده كطراحة وينام. كان واضحاً أنه مرهق. إلى أن صودف مرور مَوني في احدى المرات من الكورنيش. اقترب من أبي الذي كان نائماً ثم قال له "دكتور.. دكتور"، وبعد حديث قصير معه اتفقا على أن ينزهنا موني بدلاً منه أبي. كان أبي يذهب إلى المسجد الذي في آخر الكورنيش ليكمل نومته هناك. وبعد ساعتين أو ثلاثة يدخل موني المسجد ويفيقه. وأظن أنني لا أتذكر شيئاً مميزاً عن نزهاتنا مع موني، إلا تلك المرة التي ادّعى فيها أننا أولاده.

كنا قد مررنا بعربة تبيع الفول المسلوق والعرانيس. كان وقت الغداء قد حل وبدأنا نشعر بالجوع خصوصاً وأن رائحة الفول والعرانيس بالبهارات والحامض أثارت لعابنا فوجدنا أنفسنا نحوم حول العربة. حينها سألنا موني "هل تريدون صحن فول؟". "لا شكراً"، قلت بتردد لعلمي أن ماوني مدقع الفقر. "سأشتري صحناً صغيراً ونأكله معاً". اشترى موني صحن فول مسلوق بالملح والحامض والكمون وطلب من البائع أربعة أعواد أسنان لأكل الفول بها. لكنه فجأة قال للبائع "هؤلاء أولادي. انظر ما أطيبهم!". أما نحن فصعقنا. نظرنا إلى بعضنا بذهول وأخذنا نقهقه ونضع أيدينا على أفواهنا. لم نكن نتوقع أن يكون لموني هذه الجرأة. لم نفصح لأمي بأي من ذلك مخافة أن تتشاجر مع أبي فينفصلا. في كل مرة كان موني يشتري لنا شيئاً. فول، ترمس، غزل البنات، إلخ. فنعود إلى البيت مبتهجين كما أبي الذي يكون أخذ قسطاً كافياً من النوم في المسجد. ومع الوقت، تحسنت علاقة أبي بأمي التي صارت ترى فيه زوجاً مسؤولاً وأباً صالحاً. وعاشا بفضل مَوني، شهر عسل جديد. هذا إلى أن قرر أبي بدلاً من الذهاب إلى المسجد، أن يعود إلى البيت، ليقضي وقتاً حميماً مع ماما. فشقتنا في النهاية كانت عبارة عن غرفة واحدة فقط مقسومة ببرداية إلى إثنتين. أول ما فتحت له الباب، سألته ماما بهلع "أين الأولاد؟". وحين أخبرها أبي إن الاولاد أخذهم موني، ظنت أن الرجل اختطفنا وخرجت تصرخ في البناية بأن ماوني خطف الاولاد. فيما لم يجرؤ أبي على تصحيح خطأها كي لا يُوسم في الحي بأنه رجل مستهتر. أتذكر الناس بعد أن عدنا إلى البناية، ينهالون بالضرب على موني ويرمون اغراضه في الشارع، فيما أصغي إلى اتهاماتهم وأقول، لأنني لا أريد أن أطلع أبي كذاباً إن موني فعلاً خطفنا، لكنه خاف في الطريق وقرر إعادتنا. وإنه كان معه سكيناً، واصفاً سكين بائع الفول على الكورنيش. ثم يأتي الدرك ويأخذونه إلى المخفر.

لم نر موني بعد ذلك اليوم. بعض الناس يقولون إنه رُحّل إلى ليبيا وأُعدِم هناك. لكني بقيت أفكر فيه، متمنياً أينما سافرت أن أراه لأعتذر منه. إذ إنني لا أنسى ملامحه المذعورة وكيف كان يبكي ويتوسلهم ويحلف بأنه لم يقترف ذنباً. لهذا، لم أعد إلى صف الآيسلندية منذ أن ناداني الأستاذ موني. إذ إن كل لغة مفردة في لغة جديدة، قد تكون مفتاحاً لتروما ما.

مازن معروف

Background

Follow us on

Facebook
YouTube
Spotify
Instagram
TikTok
Newsletter

Partners

Logo denhaag
NLF
Fonds21
De Groene Amsterdammer
gau
mercure
dioraphte
HNT
hvg
cjp
nip
studio twin
academy of art
white rabbit
pluim
meulenhof
orion
meridiaan
bezige bij
De geus
querido
promtheus
koppernik
mauritshuis
vaillant
ooievaarspas
Faber
Uitgeverij oevers
cossee
Arbeidspers
HomeAgendaOver

Crossing Border 2026