GESCHREVEN DOOR

Mazen Maarouf (AE)
VERTAALD DOOR

Arjwan al Fayle (NL)
Mazen blog 4
05 November 2019
في صغري كنت حساساً جداً. أبكي لأتفه سبب. مشهد الأبقار في دعايات الجبنة يبكيني. وأحياناً إذا رأيتُ رجلاً وزوجته من الجيران قاعدين في البلكونة لا يتكلمان. كما بائع المكانس العجوز والذي كان يحمل على كتفه أكثر من عشرين مكنسة بعصاها الخشبية ويمر كل يوم بشارعنا صامتاً نحو الأحياء الأكثر ثراء. كذلك إذا تخاصم صبيَّان في البناية، أو فقد شخص أعرفه أو لا أعرفه غرضاً عزيز عليه. كان الناس في شارعنا مصدومين، بعد موت تسعة من شبان وأطفال الحي بقذيفة للجيش. وحين يخرجون إلى الشارع لا يتكلمون. في إحدى المرات كانت أمي تزور خالتي التي تقطن في الطابق الأرضي من بنايتنا. والخالة قالت إن أولادها يعانون آلاماً في أمعائهم بسبب أنهم لا يأكلون سوى الخبز والشاي للفطور. لم أكتفِ في تلك اللحظة بالإنفجار في نوبة بكاء كدت اختنق فيها لكلام خالتي. بل سرقت في الليل نصف المال الذي وجدته في جزدان أمي ونزلت إلى الخالة قائلاً إنه من ماما. أمي المحرجة لم تستطع أن تكذِّب الأمر لكني عوقبت بابقائي يديّ في جيبتيّ بنطلوني لخمسة أيام. المهم أن أمي التي كانت حياتها غارقة بالمتاعب بعد هجر أبي لنا، لم تعلم ما الذي حل بي. ظنت بداية بأني لا بد أعاني ألماً ما. وكلما بكيت كانت تجس جسمي شبراً شبراً من فروة رأسي إلى أخمص قدميّ وهي تسألني "هل تشعر بالألم هنا؟ طيب هنا؟..". وأنا كنت أجاوب "لا أشعر بأي ألم" فتصاب بالذعر. مع ذلك لم تأخذني إلى طبيب نفسي كي لا يقال في الحي بأن ابنها الكبير فقد عقله، بل إلى طبيب شرايين لأنه الوحيد الذي يمكن أن يحكّمني ببلاش. فهو بعد أن فقد ابنه، قرر أن يكشف على عشر حالات في اليوم مجاناً. انتظرنا ثمانية أيام حتى حان دورنا. ونحن ندخل عيادته حذرتني قائلة "إياكَ أن تبكي حين أخبره بنوبات بكائك". وفي الداخل قالت له "لا أعرف ما مشكلته يا حكيم، لكنه يبكي دون أي سبب. ربما يشعر بألم لكنه لا يعرف أين". فقال لي أن أتنفس ببطء وفحص صدري وكشف على عينيّ وقدميّ وقاس نبضي وضغط دمي. كان في الخلفية صورة له مع زوجته وابنتيه الإثنتين. أول ما وقعت عيناي على الصورة أخذت دموعي تنهمر. حينها قال لأمي "عن إذنك"، وأنزلَ بنطلوني للحظة ليرى إن كنت أملك عضواً ذكرياً أم أنثوياً. ثم قال لها حين انهى الفحصية "لا أظن أن الأمر جسدي". ثم سألني "لماذا بكيت؟" فقلت له إن الصورة جعلتني أبكي. قال لي إنهم أخذوها بعد موت ابنه وإنهم جميعاً كانوا في غاية الحزن لكن ذلك لا يظهر وإن اتصالي بأحزان الآخرين دليل عافية على أن البشرية لا تزال بخير. ثم راح يشرح لي كيف خلط ابنه بين المسدس البلاستيكي الذي اشتراه بنفسه له وكان نسخة طبق الأصل عن مسدسه الحقيقي، فأطلق النار على فخذه أثناء لهوه به في الليل، ونزف حتى الموت. وإنهم في البيت تخلصوا من كل صور الابن وأغراضه كي يصبح مجرد فكرة يحين وقت نسيانها بعد حين. وإن علينا التعايش مع الحزن إلى أن تُخترع نظارة تفلتر العالم بحيث ترينا فقط الأشياء السعيدة فيما تمحو تلقائياً مشاهد البؤس والفقر وصور الشحاذين والمقهورين بل حتى المتجهمين. أمي لاحقاً قالت "كلام الطبيب هراء. لكني أقول لك شيئاً واحداً! إذا بقيت حساساً هكذا، فستصبح منفِّراً وينتهي بك الأمر وحيداً. لكن ربما قد تفيد حساسيتك في اعادة أبيك إلى البيت". كانت ذلك أول تلميح من أمي بأن عليّ فعل شيء لفهم حالتي. اكتشفت أنني أعاني نوعاً من الاستبصار الذي يتجاوز نطاق الفهم العلمي العادي. وأنني أستطيع أن أبصر الحزن الكامن في نفوس البشر والحيوانات حتى وإن حاولوا جاهدين إخفاءها، بل واستشعر كذلك بالنظر إلى الأزواج الجالسين في البلاكين، العلاقات التي ستنتهي بشكل حزين. وأن أفضل شيء هو أن أنقل بكائي إلى الآخرين. إذ لم يكن منصفاً أن أبكي نيابة عن شعورهم بالحزن في النهاية. وهكذا، بدلاً من أن أبكي أصبحت أعبّر لهم، وبصوت مسموع بما يكمن في داخلهم. بدأت بـ"الضلع"، والذي لم يكن جلفاً كضِلعٍ وحسب وإنما كعظمة ديناصور. "الضلع"، أكثر الأولاد شراسة، لم يكن من حينا، لكن لا أحد عرف أنه أكثرهم حزناً كذلك. فيما كان أثناء شجار بدا شاقاً، يلفّ ذراعه على عنق ولد آخر اسمه "الكفّ" نظراً لقوة صفعته، استشعرتُ أن حزن "الضلع" الداخلي يتضخم كلما تفاقم شعوره بالغضب. أولاد الشارع الذين تحلّقوا يتفرجون، كانوا الآن ينقِّلون أعينهم بي الخناقة وبيني، متوقعين أن انفجر بالبكاء. وبسبب انزعاجي منهم، ولكي لا أنفجر بالبكاء فجأة اقتربت من الضلع الذي كان يعصر بكل قوته عنق "الكف" ويشتمه من خلف أسنانه التي كزّها على بعضها، قائلاً بجرأة "أنتَ حزين". الضلع تظاهر بأنه لم يسمعني، لكني كررت العبارة لاحساسي على الفور بأن رغبتي في البكاء تضاءلت حين لفظتها أول مرة. ولم أتوقف عن قولها إلى أن فكّ "الضلع" قفل ذراعه عن عنق الولد الآخر الذي كان منهكاً بدوره، وقعد كما يقعد لاعب كرة قدم على العشب وأجهشَ بالبكاء. كررت ذلك مع عدد من الأشخاص الآخرين. إلى أن حدث الأمر مع أمي. كنت قد توقفت منذ فترة عن النظر إلى وجهها. وفي أحد الأيام سألتني "لماذا تتجنب تنظر إليّ؟ هل أنت زعلان مني؟". "لا"، قلت. "إذن انظر إلى وجهي. انظر لثانية واحدة فقط"، قالت وهي تمسك برأسي وتحاول تثبيته عليها. حاولت الإفلات قائلاً "لا أريد.."، مضيفاً بعد أن أرخت يديها بسبب أن ما قلته آلمها "لأن وجهك أكثر الوجوه حزناً. حين تكونين نائمة وأنظر إليه، يجعلني ذلك أبكي". قالت لي عندها "افعل شيئاً إذن لكي يعود والدك". هذه هي كواليس حكاية مدونتي الأولى، حين سُئلت عنها على المنصة أول من أمس نسيتها، لذا ها أنذا أكتبها هنا.

























.png&w=256&q=75)











